محمد بن جرير الطبري
330
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ما نحن متقنوه إن شاء الله . وهو أن الله جل ثناؤه أخبر أنه لعن الذين وصف صفتهم في هذه الآية ، ثم أخبر عنهم أنهم قليلو الإيمان بما أنزل الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم . ولذلك نصب قوله : ( فقليلا ) ، لأنه نعت للمصدر المتروك ذكره . ومعناه : بل لعنهم الله بكفرهم ، فإيمانا قليلا ما يؤمنون . فقد تبين إذًا بما بينا فساد القول الذي روي عن قتادة في ذلك . لأن معنى ذلك ، لو كان على ما روي من أنه يعني به : فلا يؤمن منهم إلا قليل ، أو فقليل منهم من يؤمن ، لكان " القليل " مرفوعا لا منصوبا . لأنه إذا كان ذلك تأويله ، كان " القليل " حينئذ مرافعا " ما " . فإذْ نصب " القليل " - و " ما " في معنى " من " أو " الذي " - [ فقد ] بقيت " ما " لا مرافع لها . ( 1 ) وذلك غير جائز في لغة أحد من العرب . * * * فأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في معنى " ما " التي في قوله : ( فقليلا ما يؤمنون ) . فقال بعضهم : هي زائدة لا معنى لها ، وإنما تأويل الكلام : فقليلا يؤمنون ، كما قال جل ذكره : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ) [ آل عمران : 159 ] وما أشبه ذلك ، فزعم أن " ما " في ذلك زائدة ، وأن معنى الكلام : فبرحمة من الله لنت لهم ، وأنشد في ذلك محتجا لقوله ذلك - بيت مهلهل : لو بأبانين جاء يخطبها . . . خضب ما أنف خاطب بدم ( 2 ) وزعم أنه يعني : خضب أنف خاطب بدم ، وأن " ما " زائدة . * * * وأنكر آخرون ما قاله قائل هذا القول في " ما " ، في الآية وفي البيت الذي
--> ( 1 ) في المطبوعة : " وإن نصب القليل " ، وكأن الأجود ما أثبته . والزيادة بين القوسين واجبة . ( 2 ) الكامل 2 : 68 ، ومعجم ما استعجم : 96 ، وشرح شواهد المغني : 247 وغيرها قال أبو العباس : " أبان جبل : وهما أبانان : أبان الأسود ، وأبان الأبيض قال مهلهل ، وكان نزل في آخر حربهم - حرب البسوس - في جنب بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك ، وهو مذحج ، وجنب حي من أحيائهم وضيع ، وخطبت ابنته ومهرت أدما فزوجها وقال قبله : أنكحها فقدها الأراقم في . . . جنب وكان الحباء من أدم